حبيب الله الهاشمي الخوئي

228

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

بكلّ ما يفعل ويريد ، وسعيهم في مقاصده وماربه . وأن يكون مراده من الشرّ ما تفرّس منهم بل شاهده من قصدهم لنكث البيعة وثوران الفتنة ، ويكون المراد بالذّهاب عنه الاعراض عنه والترك له . وإنّما قلنا إنّ الأشبه ذلك لما حكيناه عن بعض الشراح من أنّ هذه الخطبة خطب بها في أوائل البيعة فقرينة الحال والمقام تشعر بما ذكرناه . وكيف كان فلما أمر عليه السّلام بما أمر أكَّده بالحديث النبويّ صلَّى اللَّه عليه وآله فقال ( فانّ رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وآله كان يقول : يا ابن آدم اعمل الخير ودع الشرّ ) أي اتركه ( فإذا أنت جواد قاصد ) يحتمل أن يكون المراد بالقاصد الراشد الغير المجاوز عن الحدّ في سيره بأن لا يكون سريع السّير فيتعب بسرعته ، ولا بطىء السّير فيفوت الغرض ببطوئه ، وأن يكون المراد به السائر في قصد السّبيل أي غير الخارج عن الجادّة الوسطى ، وتشبيه عامل الخير وتارك الشرّ به على الأوّل من أجل اتّصافه بالعدل في أموره وبراءته من الافراط والتفريط ، وعلى الثاني من أجل كون سلوكه على الجادّة الوسطى والصراط المستقيم الموصل به إلى نضرة النّعيم والفوز العظيم . ثمّ نبّه على أقسام الظلم تلميحا إلى مظلوميته عليه السّلام وتنبيها على أنّ ظلامته لا تترك فقال ( ألا وانّ الظلم ثلاثة فظلم لا يغفر ، وظلم لا يترك ، وظلم مغفور لا يطلب ، فأمّا الظلم الَّذي لا يغفر فالشّرك باللَّه ) لما ( قال اللَّه سبحانه * ( إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ِ ) * ) عدم الغفران بالشرك مشروط بعدم التوبة ، لأنّ الأمة أجمعت على أنّ اللَّه يغفره بالتوبة وإن كان الغفران مع التوبة عند المعتزلة على وجه الوجوب وعندنا على وجه التفضّل والانعام كما يأتي التصريح بذلك عن مجمع البيان . ( وأمّا الظلم الَّذي يغفر فظلم العبد نفسه عند بعض الهنات ) لعلّ المراد بذلك البعض الصغائر لأنّ الاجتناب عن الكباير يكون كفارة لها كما قال تعالى : * ( « إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبائِرَ ما تُنْهَوْنَ عَنْه ُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ » ) * . وأمّا حمله على المغفرة بالتوبة أو الشفاعة ففيه انّ المغفرة بهما لا اختصاص لها ببعض الهنات السّيئات بل جميع المعاصي تكون مغفورة بعد حصول التوبة والشفاعة